منتديات طب الإسلامية

مرحبا بك في منتديات طب الإسلاميه ...

    نزار قبانى من جديد

    شاطر
    avatar
    نصر الدين الزبير
    مراقب عام
    مراقب عام

    الدفعة : العاشرة
    عدد المشاركات : 1450
    تاريخ التسجيل : 04/09/2008
    نقاط التمييز : 4535
    التقييم : 5
    دولة الإقامة : السودان

    نزار قبانى من جديد

    مُساهمة من طرف نصر الدين الزبير في الإثنين 02 مارس 2009, 18:15

    خمس رسائل إلى أمي



    صباحُ الخيرِ يا حلوه..
    صباحُ الخيرِ يا قدّيستي الحلوه
    مضى عامانِ يا أمّي
    على الولدِ الذي أبحر
    برحلتهِ الخرافيّه
    وخبّأَ في حقائبهِ
    صباحَ بلادهِ الأخضر
    وأنجمَها، وأنهُرها، وكلَّ شقيقها الأحمر
    وخبّأ في ملابسهِ
    طرابيناً منَ النعناعِ والزعتر
    وليلكةً دمشقية



    أنا وحدي..
    دخانُ سجائري يضجر
    ومنّي مقعدي يضجر
    وأحزاني عصافيرٌ..
    تفتّشُ –بعدُ- عن بيدر
    عرفتُ نساءَ أوروبا..
    عرفتُ عواطفَ الإسمنتِ والخشبِ
    عرفتُ حضارةَ التعبِ..
    وطفتُ الهندَ، طفتُ السندَ، طفتُ العالمَ الأصفر
    ولم أعثر..
    على امرأةٍ تمشّطُ شعريَ الأشقر
    وتحملُ في حقيبتها..
    إليَّ عرائسَ السكّر
    وتكسوني إذا أعرى
    وتنشُلني إذا أعثَر
    أيا أمي..
    أيا أمي..
    أنا الولدُ الذي أبحر
    ولا زالت بخاطرهِ
    تعيشُ عروسةُ السكّر
    فكيفَ.. فكيفَ يا أمي
    غدوتُ أباً..
    ولم أكبر؟
    صباحُ الخيرِ من مدريدَ
    ما أخبارها الفلّة؟
    بها أوصيكِ يا أمّاهُ..
    تلكَ الطفلةُ الطفله
    فقد كانت أحبَّ حبيبةٍ لأبي..
    يدلّلها كطفلتهِ
    ويدعوها إلى فنجانِ قهوتهِ
    ويسقيها..
    ويطعمها..
    ويغمرها برحمتهِ..
    .. وماتَ أبي
    ولا زالت تعيشُ بحلمِ عودتهِ
    وتبحثُ عنهُ في أرجاءِ غرفتهِ
    وتسألُ عن عباءتهِ..
    وتسألُ عن جريدتهِ..
    وتسألُ –حينَ يأتي الصيفُ-
    عن فيروزِ عينيه..
    لتنثرَ فوقَ كفّيهِ..
    دنانيراً منَ الذهبِ..
    سلاماتٌ..
    سلاماتٌ..
    إلى بيتٍ سقانا الحبَّ والرحمة
    إلى أزهاركِ البيضاءِ.. فرحةِ "ساحةِ النجمة"
    إلى تختي..
    إلى كتبي..
    إلى أطفالِ حارتنا..
    وحيطانٍ ملأناها..
    بفوضى من كتابتنا..
    إلى قططٍ كسولاتٍ
    تنامُ على مشارقنا
    وليلكةٍ معرشةٍ
    على شبّاكِ جارتنا
    مضى عامانِ.. يا أمي
    ووجهُ دمشقَ،
    عصفورٌ يخربشُ في جوانحنا
    يعضُّ على ستائرنا..
    وينقرنا..
    برفقٍ من أصابعنا..
    مضى عامانِ يا أمي
    وليلُ دمشقَ
    فلُّ دمشقَ
    دورُ دمشقَ
    تسكنُ في خواطرنا
    مآذنها.. تضيءُ على مراكبنا
    كأنَّ مآذنَ الأمويِّ..
    قد زُرعت بداخلنا..
    كأنَّ مشاتلَ التفاحِ..
    تعبقُ في ضمائرنا
    كأنَّ الضوءَ، والأحجارَ
    جاءت كلّها معنا..
    أتى أيلولُ يا أماهُ..
    وجاء الحزنُ يحملُ لي هداياهُ
    ويتركُ عندَ نافذتي
    مدامعهُ وشكواهُ
    أتى أيلولُ.. أينَ دمشقُ؟
    أينَ أبي وعيناهُ
    وأينَ حريرُ نظرتهِ؟
    وأينَ عبيرُ قهوتهِ؟
    سقى الرحمنُ مثواهُ..
    وأينَ رحابُ منزلنا الكبيرِ..
    وأين نُعماه؟
    وأينَ مدارجُ الشمشيرِ..
    تضحكُ في زواياهُ
    وأينَ طفولتي فيهِ؟
    أجرجرُ ذيلَ قطّتهِ
    وآكلُ من عريشتهِ
    وأقطفُ من بنفشاهُ
    دمشقُ، دمشقُ..
    يا شعراً
    على حدقاتِ أعيننا كتبناهُ
    ويا طفلاً جميلاً..
    من ضفائره صلبناهُ
    جثونا عند ركبتهِ..
    وذبنا في محبّتهِ
    إلى أن في محبتنا قتلناهُ...


    _________________


    avatar
    نصر الدين الزبير
    مراقب عام
    مراقب عام

    الدفعة : العاشرة
    عدد المشاركات : 1450
    تاريخ التسجيل : 04/09/2008
    نقاط التمييز : 4535
    التقييم : 5
    دولة الإقامة : السودان

    رد: نزار قبانى من جديد

    مُساهمة من طرف نصر الدين الزبير في الإثنين 02 مارس 2009, 18:17



    حُبلى



    لا تَمْتَقِعْ !

    هي كِلْمَةٌ عَجْلى

    إنّي لأَشعُرُ أنّني حُبلى ..

    وصرختَ كالمسلوعِ بي .. " كَلاّ " ..

    سنُمَزِّقُ الطفلا ..

    وأخذْتَ تشتِمُني ..

    وأردْتَ تطردُني ..

    لا شيءَ يُدهِشُني ..

    فلقد عرفتُكَ دائماً نَذْلا ..



    *



    وبعثتَ بالخَدَّامِ يدفعُني ..

    في وحشةِ الدربِ

    يا مَنْ زَرَعتَ العارَ في صُلبي

    وكسرتَ لي قلبي ..

    ليقولَ لي :

    " مولايَ ليسَ هُنا .. "

    مولاهُ ألفُ هُنا ..

    لكنَّهُ جَبُنا ..

    لمّا تأكّدَ أنّني حُبلى ..



    *



    ماذا ؟ أتبصِقُني

    والقيءُ في حَلقي يدمِّرُني

    وأصابعُ الغَثَيانِ تخنقُني ..

    ووريثُكَ المشؤومُ في بَدَني

    والعارُ يسحقُني ..

    وحقيقةٌ سوداءُ .. تملؤني

    هي أنّني حُبلى ..



    *

    ليراتُكَ الخمسون ..

    تُضحكُني ..

    لمَن النقودُ .. لِمَنْ ؟

    لتُجهِضَني ؟

    لتخيطَ لي كَفَني ؟

    هذا إذَنْ ثَمَني ؟

    ثمنُ الوَفا يا بُؤرَةَ العَفَنِ ..

    أنا لم أجِئكَ لِمالِكَ النتِنِ ..

    " شكراً .. "

    سأُسقِطُ ذلكَ الحَمْلا

    أنا لا أريدُ لهُ أباً نَذْلا ..


    _________________


    avatar
    نصر الدين الزبير
    مراقب عام
    مراقب عام

    الدفعة : العاشرة
    عدد المشاركات : 1450
    تاريخ التسجيل : 04/09/2008
    نقاط التمييز : 4535
    التقييم : 5
    دولة الإقامة : السودان

    رد: نزار قبانى من جديد

    مُساهمة من طرف نصر الدين الزبير في الإثنين 02 مارس 2009, 18:30



    شؤون صغيرة


    - ١ -
    شؤون صغيره
    تمر بها أنت .. دون التفات
    تساوي لدي حياتي
    جميع حياتي..
    حوادث .. قد لا تثير اهتمامك
    أعمر منها قصور
    وأحيا عليها شهور
    وأغزل منها حكايا كثيرة
    وألف سماء .. وألف جزيره
    شؤون .. شؤونك تلك الصغيره ...

    * * *


    - ٢ -

    فحين تدخن أجثو أمامك
    كقطتك الطيبه ..
    وكلي أمان
    ألاحق مزهوة معجبه
    خيوط الدخان
    توزعها في زوايا المكان
    دوائر.. دوائر
    وترحل في آخر الليل عني
    كنجم، كطير مهاجر
    وتتركني يا صديق حياتي
    لرائحة التبغ .. والذكريات
    وأبقى أنا .. في صقيع انفرادي ..
    وزادي أنا .. كل زادي
    حطام السجائر ..
    وصحنا .. يضم رمادا ..
    يضم رمادي...

    * * *


    - ٣ -

    وحين أكون مريضه ..
    وتحمل أزهارك الغاليه
    صديقي ، إلي
    وتجعل بين يديك يدي
    يعود لي اللون والعافيه
    وتلتصق الشمس في وجنتي
    وأبكي .. وأبكي .. بغير إراده
    وأنت ترد غطائي علي
    وتجعل رأسي فوق الوساده
    تمنيت كل التمني .. صديقي .. لو أني ..
    أظل .. أظل عليله ..
    لتسأل عني ..
    لتحمل لي كل يوم ورودا جميله .

    * * *


    - ٤ -

    وإن رن في بيتنا الهاتف
    إليه أطير ..
    أنا .. يا صديقي الأثير
    بفرحة طفل صغير
    بشوق سنونوةٍ شارده
    وأحتضن الآلة الجامده
    وأعصر أسلاكها البارده
    وأنتظر الصوت .. صوتك يهمي عليّ
    دفيئا .. مليئا .. قويّ ..
    كصوت نبي ..
    كصوت ارتطام النجوم ، كصوت سقوط الحلي
    وأبكي .. وأبكي .. لأنك فكرت فيّ ..
    لأنك من شرفات الغيوب .. هتفت إليّ ..

    * * *


    - ٥ -

    ويوم أجيء إليك لكي أستعير كتاب ..
    لأزعم أني أتيت لكي أستعير كتاب ..
    تمدّ أصابعك المتعبه
    إلى المكتبه ..
    وأبقى أنا في ضباب الضباب
    كأني سؤال بغير جواب
    أحدق فيك .. وفي المكتبه ..
    كما تفعل القطة الطيبه ..
    تراك اكتشفت ؟
    تراك عرفت ؟
    بأني جئت لغير الكتاب
    وأني لست سوى كاذبه !!.

    * * *


    - ٦ -

    .. وأمضي سريعاً إلى مخدعي
    أضم الكتاب إلى أضلعي
    كأني حملت الوجود معي ..
    وأشعل ضوئي .. وأسدل حولي الستور
    وأنبش بين السطور ، وخلف السطور
    وأعدو وراء الفواصل .. أعدو
    وراء نقاط تدور
    .. ورأسي يدور ..
    كأني عصفورة جائعه
    تفتش عن فضلات البذور
    لعلك يا .. يا صديقي الأثير
    تركتَ بإحدى الزوايا .. عبارة حب قصيره ..
    جنينة شوق صغيره ..
    لعلك بين الصحائف خبأت شيئا
    سلاما صغيرا .. يعيد السلام إليا ..

    ***


    ٧ -

    .. وحين نكون معا في الطريق
    وتأخذ – من غير قصد – ذراعي
    أحسُّ أنا يا صديق
    بشيء عميق
    بشيء يشابه طعم الحريق
    على مرفقي ..
    وأرفع كفيَّ نحو السماء
    لتجعل دربي بغير انتهاء ..
    وأبكي .. وأبكي .. بغير انقطاع ..
    لكي يستمر ضياعي ..

    ***


    - ٨ -

    وحين أعود مساءً إلى عرفتي ..
    وأنزع عن كتفيَّ الرداء ..
    أحس – وما أنت في غرفتي –
    بأن يديك ..
    تلفان في رحمة مرفقي ..
    وأبقى لأعبد يا مرهقي
    مكان أصابعك الدافئات
    على كم فستاني الأزرق ..
    وأبكي .. وأبكي .. بغير انقطاع
    كأن ذراعي ليست ذراعي ..


    _________________


    avatar
    amr mo7amd $kak
    مشرف
    مشرف

    الدفعة : السابعة عشر
    عدد المشاركات : 517
    تاريخ التسجيل : 04/09/2008
    نقاط التمييز : 3913
    التقييم : 3

    رد: نزار قبانى من جديد

    مُساهمة من طرف amr mo7amd $kak في الإثنين 02 مارس 2009, 19:20

    و يظل نزار الوجه الاخر لعملة الابداع


    _________________
    avatar
    نصر الدين الزبير
    مراقب عام
    مراقب عام

    الدفعة : العاشرة
    عدد المشاركات : 1450
    تاريخ التسجيل : 04/09/2008
    نقاط التمييز : 4535
    التقييم : 5
    دولة الإقامة : السودان

    رد: نزار قبانى من جديد

    مُساهمة من طرف نصر الدين الزبير في الثلاثاء 03 مارس 2009, 21:43

    شكرا عمرو
    مرورك الانيق نفحنا عطرا
    البوست مفتوح للجميع لوضع قصائد نزار قبانى


    _________________


    avatar
    Eman khalid
    عضـو جديد
    عضـو جديد

    الدفعة : السادسة عشر
    عدد المشاركات : 14
    تاريخ التسجيل : 17/09/2008
    نقاط التمييز : 3716
    التقييم : 0

    رد: نزار قبانى من جديد

    مُساهمة من طرف Eman khalid في الجمعة 06 مارس 2009, 19:50

    لا اجد اجمل مما قاله اخي الصغير عمرو ويبقى نزار الوجه الاخر لعملة الابداع..
    avatar
    نصر الدين الزبير
    مراقب عام
    مراقب عام

    الدفعة : العاشرة
    عدد المشاركات : 1450
    تاريخ التسجيل : 04/09/2008
    نقاط التمييز : 4535
    التقييم : 5
    دولة الإقامة : السودان

    رد: نزار قبانى من جديد

    مُساهمة من طرف نصر الدين الزبير في الثلاثاء 10 مارس 2009, 14:42



    _________________


    avatar
    نصر الدين الزبير
    مراقب عام
    مراقب عام

    الدفعة : العاشرة
    عدد المشاركات : 1450
    تاريخ التسجيل : 04/09/2008
    نقاط التمييز : 4535
    التقييم : 5
    دولة الإقامة : السودان

    رد: نزار قبانى من جديد

    مُساهمة من طرف نصر الدين الزبير في الثلاثاء 10 مارس 2009, 14:49

    قصيدة بلقيس - لنزار قباني





    شُكْرَاً لَكُمْ
    شُكْرَاً لَكُمْ
    فحبيبتي قُتِلَتْ وصارَ بوسْعِكُم
    أن تشربوا كأساً على قبرِ الشهيدة
    وقصيدتي اغتيلت ..
    وهَلْ من أُمَّةٍ في الأرضِ ..
    - إلاَّ نحنُ - تغتالُ القصيدة ؟

    بلقيسُ ...
    كانتْ أجملَ المَلِكَاتِ في تاريخ بابِِلْ
    بلقيسُ ..
    كانت أطولَ النَخْلاتِ في أرض العراقْ
    كانتْ إذا تمشي ..
    ترافقُها طواويسٌ ..
    وتتبعُها أيائِلْ ..
    بلقيسُ .. يا وَجَعِي ..
    ويا وَجَعَ القصيدةِ حين تلمَسُهَا الأناملْ
    هل يا تُرى ..
    من بعد شَعْرِكِ سوفَ ترتفعُ السنابلْ ؟
    يا نَيْنَوَى الخضراء ..
    يا غجريَّتي الشقراء ..
    يا أمواجَ دجلةَ . .
    تلبسُ في الربيعِ بساقِهِا
    أحلى الخلاخِلْ ..
    قتلوكِ يا بلقيسُ ..
    أيَّةُ أُمَّةٍ عربيةٍ ..
    تلكَ التي
    تغتالُ أصواتَ البلابِلْ ؟
    أين السَّمَوْأَلُ ؟
    والمُهَلْهَلُ ؟
    والغطاريفُ الأوائِلْ ؟
    فقبائلٌ أَكَلَتْ قبائلْ ..
    وثعالبٌ قتلتْ ثعالبْ ..
    وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ ..
    قَسَمَاً بعينيكِ اللتينِ إليهما ..
    تأوي ملايينُ الكواكبْ ..
    سأقُولُ ، يا قَمَرِي ، عن العَرَبِ العجائبْ
    فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ ؟
    أم مثلنا التاريخُ كاذبْ ؟.

    بلقيسُ
    لا تتغيَّبِي عنّي
    فإنَّ الشمسَ بعدكِ
    لا تُضيءُ على السواحِلْ . .
    سأقول في التحقيق :
    إنَّ اللصَّ أصبحَ يرتدي ثوبَ المُقاتِلْ
    وأقول في التحقيق :
    إنَّ القائدَ الموهوبَ أصبحَ كالمُقَاوِلْ ..
    وأقولُ :
    إن حكايةَ الإشعاع ، أسخفُ نُكْتَةٍ قِيلَتْ ..
    فنحنُ قبيلةٌ بين القبائِلْ
    هذا هو التاريخُ . . يا بلقيسُ ..
    كيف يُفَرِّقُ الإنسانُ ..
    ما بين الحدائقِ والمزابلْ
    بلقيسُ ..
    أيَّتها الشهيدةُ .. والقصيدةُ ..
    والمُطَهَّرَةُ النقيَّةْ ..
    سبأٌ تفتِّشُ عن مَلِيكَتِهَا
    فرُدِّي للجماهيرِ التحيَّةْ ..
    يا أعظمَ المَلِكَاتِ ..
    يا امرأةً تُجَسِّدُ كلَّ أمجادِ العصورِ السُومَرِيَّةْ
    بلقيسُ ..
    يا عصفورتي الأحلى ..
    ويا أَيْقُونتي الأَغْلَى
    ويا دَمْعَاً تناثرَ فوقَ خَدِّ المجدليَّةْ
    أَتُرى ظَلَمْتُكِ إذْ نَقَلْتُكِ
    ذاتَ يومٍ .. من ضفافِ الأعظميَّةْ
    بيروتُ .. تقتُلُ كلَّ يومٍ واحداً مِنَّا ..
    وتبحثُ كلَّ يومٍ عن ضحيَّةْ
    والموتُ .. في فِنْجَانِ قَهْوَتِنَا ..
    وفي مفتاح شِقَّتِنَا ..
    وفي أزهارِ شُرْفَتِنَا ..
    وفي وَرَقِ الجرائدِ ..
    والحروفِ الأبجديَّةْ ...
    ها نحنُ .. يا بلقيسُ ..
    ندخُلُ مرةً أُخرى لعصرِ الجاهليَّةْ ..
    ها نحنُ ندخُلُ في التَوَحُّشِ ..
    والتخلّفِ .. والبشاعةِ .. والوَضَاعةِ ..
    ندخُلُ مرةً أُخرى .. عُصُورَ البربريَّةْ ..
    حيثُ الكتابةُ رِحْلَةٌ
    بينِ الشَّظيّةِ .. والشَّظيَّةْ
    حيثُ اغتيالُ فراشةٍ في حقلِهَا ..
    صارَ القضيَّةْ ..
    هل تعرفونَ حبيبتي بلقيسَ ؟
    فهي أهمُّ ما كَتَبُوهُ في كُتُبِ الغرامْ
    كانتْ مزيجاً رائِعَاً
    بين القَطِيفَةِ والرُّخَامْ ..
    كان البَنَفْسَجُ بينَ عَيْنَيْهَا
    ينامُ ولا ينامْ ..

    بلقيسُ ..
    يا عِطْرَاً بذاكرتي ..
    ويا قبراً يسافرُ في الغمام ..
    قتلوكِ ، في بيروتَ ، مثلَ أيِّ غزالةٍ
    من بعدما .. قَتَلُوا الكلامْ ..
    بلقيسُ ..
    ليستْ هذهِ مرثيَّةً
    لكنْ ..
    على العَرَبِ السلامْ

    بلقيسُ ..
    مُشْتَاقُونَ .. مُشْتَاقُونَ .. مُشْتَاقُونَ ..
    والبيتُ الصغيرُ ..
    يُسائِلُ عن أميرته المعطَّرةِ الذُيُولْ
    نُصْغِي إلى الأخبار .. والأخبارُ غامضةٌ
    ولا تروي فُضُولْ ..

    بلقيسُ ..
    مذبوحونَ حتى العَظْم ..
    والأولادُ لا يدرونَ ما يجري ..
    ولا أدري أنا .. ماذا أقُولْ ؟
    هل تقرعينَ البابَ بعد دقائقٍ ؟
    هل تخلعينَ المعطفَ الشَّتَوِيَّ ؟
    هل تأتينَ باسمةً ..
    وناضرةً ..
    ومُشْرِقَةً كأزهارِ الحُقُولْ ؟

    بلقيسُ ..
    إنَّ زُرُوعَكِ الخضراءَ ..
    ما زالتْ على الحيطانِ باكيةً ..
    وَوَجْهَكِ لم يزلْ مُتَنَقِّلاً ..
    بينَ المرايا والستائرْ
    حتى سجارتُكِ التي أشعلتِها
    لم تنطفئْ ..
    ودخانُهَا
    ما زالَ يرفضُ أن يسافرْ

    بلقيسُ ..
    مطعونونَ .. مطعونونَ في الأعماقِ ..
    والأحداقُ يسكنُها الذُهُولْ
    بلقيسُ ..
    كيف أخذتِ أيَّامي .. وأحلامي ..
    وألغيتِ الحدائقَ والفُصُولْ ..
    يا زوجتي ..
    وحبيبتي .. وقصيدتي .. وضياءَ عيني ..
    قد كنتِ عصفوري الجميلَ ..
    فكيف هربتِ يا بلقيسُ منّي ؟..
    بلقيسُ ..
    هذا موعدُ الشَاي العراقيِّ المُعَطَّرِ ..
    والمُعَتَّق كالسُّلافَةْ ..
    فَمَنِ الذي سيوزّعُ الأقداحَ .. أيّتها الزُرافَةْ ؟
    ومَنِ الذي نَقَلَ الفراتَ لِبَيتنا ..
    وورودَ دَجْلَةَ والرَّصَافَةْ ؟

    بلقيسُ ..
    إنَّ الحُزْنَ يثقُبُنِي ..
    وبيروتُ التي قَتَلَتْكِ .. لا تدري جريمتَها
    وبيروتُ التي عَشقَتْكِ ..
    تجهلُ أنّها قَتَلَتْ عشيقتَها ..
    وأطفأتِ القَمَرْ ..

    بلقيسُ ..
    يا بلقيسُ ..
    يا بلقيسُ
    كلُّ غمامةٍ تبكي عليكِ ..
    فَمَنْ تُرى يبكي عليَّا ..
    بلقيسُ .. كيف رَحَلْتِ صامتةً
    ولم تَضَعي يديْكِ .. على يَدَيَّا ؟

    بلقيسُ ..
    كيفَ تركتِنا في الريح ..
    نرجِفُ مثلَ أوراق الشَّجَرْ ؟
    وتركتِنا - نحنُ الثلاثةَ - ضائعينَ
    كريشةٍ تحتَ المَطَرْ ..
    أتُرَاكِ ما فَكَّرْتِ بي ؟
    وأنا الذي يحتاجُ حبَّكِ .. مثلَ (زينبَ) أو (عُمَرْ)

    بلقيسُ ..
    يا كَنْزَاً خُرَافيّاً ..
    ويا رُمْحَاً عِرَاقيّاً ..
    وغابَةَ خَيْزُرَانْ ..
    يا مَنْ تحدَّيتِ النجُومَ ترفُّعاً ..
    مِنْ أينَ جئتِ بكلِّ هذا العُنْفُوانْ ؟
    بلقيسُ ..
    أيتها الصديقةُ .. والرفيقةُ ..
    والرقيقةُ مثلَ زَهْرةِ أُقْحُوَانْ ..
    ضاقتْ بنا بيروتُ .. ضاقَ البحرُ ..
    ضاقَ بنا المكانْ ..
    بلقيسُ : ما أنتِ التي تَتَكَرَّرِينَ ..
    فما لبلقيسَ اثْنَتَانْ ..

    بلقيسُ ..
    تذبحُني التفاصيلُ الصغيرةُ في علاقتِنَا ..
    وتجلُدني الدقائقُ والثواني ..
    فلكُلِّ دبّوسٍ صغيرٍ .. قصَّةٌ
    ولكُلِّ عِقْدٍ من عُقُودِكِ قِصَّتانِ
    حتى ملاقطُ شَعْرِكِ الذَّهَبِيِّ ..
    تغمُرُني ،كعادتِها ، بأمطار الحنانِ
    ويُعَرِّشُ الصوتُ العراقيُّ الجميلُ ..
    على الستائرِ ..
    والمقاعدِ ..
    والأوَاني ..
    ومن المَرَايَا تطْلَعِينَ ..
    من الخواتم تطْلَعِينَ ..
    من القصيدة تطْلَعِينَ ..
    من الشُّمُوعِ ..
    من الكُؤُوسِ ..
    من النبيذ الأُرْجُواني ..

    بلقيسُ ..
    يا بلقيسُ .. يا بلقيسُ ..
    لو تدرينَ ما وَجَعُ المكانِ ..
    في كُلِّ ركنٍ .. أنتِ حائمةٌ كعصفورٍ ..
    وعابقةٌ كغابةِ بَيْلَسَانِ ..
    فهناكَ .. كنتِ تُدَخِّنِينَ ..
    هناكَ .. كنتِ تُطالعينَ ..
    هناكَ .. كنتِ كنخلةٍ تَتَمَشَّطِينَ ..
    وتدخُلينَ على الضيوفِ ..
    كأنَّكِ السَّيْفُ اليَمَاني ..

    بلقيسُ ..
    أين زجَاجَةُ ( الغِيرلاَنِ ) ؟
    والوَلاّعةُ الزرقاءُ ..
    أينَ سِجَارةُ الـ (الكَنْتِ ) التي
    ما فارقَتْ شَفَتَيْكِ ؟
    أين (الهاشميُّ ) مُغَنِّيَاً ..
    فوقَ القوامِ المَهْرَجَانِ ..
    تتذكَّرُ الأمْشَاطُ ماضيها ..
    فَيَكْرُجُ دَمْعُهَا ..
    هل يا تُرى الأمْشَاطُ من أشواقها أيضاً تُعاني ؟
    بلقيسُ : صَعْبٌ أنْ أهاجرَ من دمي ..
    وأنا المُحَاصَرُ بين ألسنَةِ اللهيبِ ..
    وبين ألسنَةِ الدُخَانِ ...
    بلقيسُ : أيتَّهُا الأميرَةْ
    ها أنتِ تحترقينَ .. في حربِ العشيرةِ والعشيرَةْ
    ماذا سأكتُبُ عن رحيل مليكتي ؟
    إنَ الكلامَ فضيحتي ..
    ها نحنُ نبحثُ بين أكوامِ الضحايا ..
    عن نجمةٍ سَقَطَتْ ..
    وعن جَسَدٍ تناثَرَ كالمَرَايَا ..
    ها نحنُ نسألُ يا حَبِيبَةْ ..
    إنْ كانَ هذا القبرُ قَبْرَكِ أنتِ
    أم قَبْرَ العُرُوبَةْ ..
    بلقيسُ :
    يا صَفْصَافَةً أَرْخَتْ ضفائرَها عليَّ ..
    ويا زُرَافَةَ كبرياءْ
    بلقيسُ :
    إنَّ قَضَاءَنَا العربيَّ أن يغتالَنا عَرَبٌ ..
    ويأكُلَ لَحْمَنَا عَرَبٌ ..
    ويبقُرُ بطْنَنَا عَرَبٌ ..
    ويَفْتَحَ قَبْرَنَا عَرَبٌ ..
    فكيف نفُرُّ من هذا القَضَاءْ ؟
    فالخِنْجَرُ العربيُّ .. ليسَ يُقِيمُ فَرْقَاً
    بين أعناقِ الرجالِ ..
    وبين أعناقِ النساءْ ..
    بلقيسُ :
    إنْ هم فَجَّرُوكِ .. فعندنا
    كلُّ الجنائزِ تبتدي في كَرْبَلاءَ ..
    وتنتهي في كَرْبَلاءْ ..
    لَنْ أقرأَ التاريخَ بعد اليوم
    إنَّ أصابعي اشْتَعَلَتْ ..
    وأثوابي تُغَطِّيها الدمَاءْ ..
    ها نحنُ ندخُلُ عصْرَنَا الحَجَرِيَّ
    نرجعُ كلَّ يومٍ ، ألفَ عامٍ للوَرَاءْ ...
    البحرُ في بيروتَ ..
    بعد رحيل عَيْنَيْكِ اسْتَقَالْ ..
    والشِّعْرُ .. يسألُ عن قصيدَتِهِ
    التي لم تكتمِلْ كلماتُهَا ..
    ولا أَحَدٌ .. يُجِيبُ على السؤالْ
    الحُزْنُ يا بلقيسُ ..
    يعصُرُ مهجتي كالبُرْتُقَالَةْ ..
    الآنَ .. أَعرفُ مأزَقَ الكلماتِ
    أعرفُ وَرْطَةَ اللغةِ المُحَالَةْ ..
    وأنا الذي اخترعَ الرسائِلَ ..
    لستُ أدري .. كيفَ أَبْتَدِئُ الرسالَةْ ..
    السيف يدخُلُ لحم خاصِرَتي
    وخاصِرَةِ العبارَةْ ..
    كلُّ الحضارةِ ، أنتِ يا بلقيسُ ، والأُنثى حضارَةْ ..
    بلقيسُ : أنتِ بشارتي الكُبرى ..
    فَمَنْ سَرَق البِشَارَةْ ؟
    أنتِ الكتابةُ قبْلَمَا كانَتْ كِتَابَةْ ..
    أنتِ الجزيرةُ والمَنَارَةْ ..
    بلقيسُ :
    يا قَمَرِي الذي طَمَرُوهُ ما بين الحجارَةْ ..
    الآنَ ترتفعُ الستارَةْ ..
    الآنَ ترتفعُ الستارِةْ ..
    سَأَقُولُ في التحقيقِ ..
    إنّي أعرفُ الأسماءَ .. والأشياءَ .. والسُّجَنَاءَ ..
    والشهداءَ .. والفُقَرَاءَ .. والمُسْتَضْعَفِينْ ..
    وأقولُ إنّي أعرفُ السيَّافَ قاتِلَ زوجتي ..
    ووجوهَ كُلِّ المُخْبِرِينْ ..
    وأقول : إنَّ عفافَنا عُهْرٌ ..
    وتَقْوَانَا قَذَارَةْ ..
    وأقُولُ : إنَّ نِضالَنا كَذِبٌ
    وأنْ لا فَرْقَ ..
    ما بين السياسةِ والدَّعَارَةْ !!
    سَأَقُولُ في التحقيق :
    إنّي قد عَرَفْتُ القاتلينْ
    وأقُولُ :
    إنَّ زمانَنَا العربيَّ مُخْتَصٌّ بذَبْحِ الياسَمِينْ
    وبقَتْلِ كُلِّ الأنبياءِ ..
    وقَتْلِ كُلِّ المُرْسَلِينْ ..
    حتّى العيونُ الخُضْرُ ..
    يأكُلُهَا العَرَبْ
    حتّى الضفائرُ .. والخواتمُ
    والأساورُ .. والمرايا .. واللُّعَبْ ..
    حتّى النجومُ تخافُ من وطني ..
    ولا أدري السَّبَبْ ..
    حتّى الطيورُ تفُرُّ من وطني ..
    و لا أدري السَّبَبْ ..
    حتى الكواكبُ .. والمراكبُ .. والسُّحُبْ
    حتى الدفاترُ .. والكُتُبْ ..
    وجميعُ أشياء الجمالِ ..
    جميعُها .. ضِدَّ العَرَبْ ..

    لَمَّا تناثَرَ جِسْمُكِ الضَّوْئِيُّ
    يا بلقيسُ ،
    لُؤْلُؤَةً كريمَةْ
    فَكَّرْتُ : هل قَتْلُ النساء هوايةٌ عَربيَّةٌ
    أم أنّنا في الأصل ، مُحْتَرِفُو جريمَةْ ؟
    بلقيسُ ..
    يا فَرَسِي الجميلةُ .. إنَّني
    من كُلِّ تاريخي خَجُولْ
    هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيُولْ ..
    هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيُولْ ..
    مِنْ يومِ أنْ نَحَرُوكِ ..
    يا بلقيسُ ..
    يا أَحْلَى وَطَنْ ..
    لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يعيشُ في هذا الوَطَنْ ..
    لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يموتُ في هذا الوَطَنْ ..
    ما زلتُ أدفعُ من دمي ..
    أعلى جَزَاءْ ..
    كي أُسْعِدَ الدُّنْيَا .. ولكنَّ السَّمَاءْ
    شاءَتْ بأنْ أبقى وحيداً ..
    مثلَ أوراق الشتاءْ
    هل يُوْلَدُ الشُّعَرَاءُ من رَحِمِ الشقاءْ ؟
    وهل القصيدةُ طَعْنَةٌ
    في القلبِ .. ليس لها شِفَاءْ ؟
    أم أنّني وحدي الذي
    عَيْنَاهُ تختصرانِ تاريخَ البُكَاءْ ؟

    سَأقُولُ في التحقيق :
    كيف غَزَالتي ماتَتْ بسيف أبي لَهَبْ
    كلُّ اللصوص من الخليجِ إلى المحيطِ ..
    يُدَمِّرُونَ .. ويُحْرِقُونَ ..
    ويَنْهَبُونَ .. ويَرْتَشُونَ ..
    ويَعْتَدُونَ على النساءِ ..
    كما يُرِيدُ أبو لَهَبْ ..
    كُلُّ الكِلابِ مُوَظَّفُونَ ..
    ويأكُلُونَ ..
    ويَسْكَرُونَ ..
    على حسابِ أبي لَهَبْ ..
    لا قَمْحَةٌ في الأرض ..
    تَنْبُتُ دونَ رأي أبي لَهَبْ
    لا طفلَ يُوْلَدُ عندنا
    إلا وزارتْ أُمُّهُ يوماً ..
    فِراشَ أبي لَهَبْ !!...
    لا سِجْنَ يُفْتَحُ ..
    دونَ رأي أبي لَهَبْ ..
    لا رأسَ يُقْطَعُ
    دونَ أَمْر أبي لَهَبْ ..

    سَأقُولُ في التحقيق :
    كيفَ أميرتي اغْتُصِبَتْ
    وكيفَ تقاسَمُوا فَيْرُوزَ عَيْنَيْهَا
    وخاتَمَ عُرْسِهَا ..
    وأقولُ كيفَ تقاسَمُوا الشَّعْرَ الذي
    يجري كأنهارِ الذَّهَبْ ..

    سَأَقُولُ في التحقيق :
    كيفَ سَطَوْا على آيات مُصْحَفِهَا الشريفِ
    وأضرمُوا فيه اللَّهَبْ ..
    سَأقُولُ كيفَ اسْتَنْزَفُوا دَمَهَا ..
    وكيفَ اسْتَمْلَكُوا فَمَهَا ..
    فما تركُوا به وَرْدَاً .. ولا تركُوا عِنَبْ
    هل مَوْتُ بلقيسٍ ...
    هو النَّصْرُ الوحيدُ
    بكُلِّ تاريخِ العَرَبْ ؟؟...

    بلقيسُ ..
    يا مَعْشُوقتي حتّى الثُّمَالَةْ ..
    الأنبياءُ الكاذبُونَ ..
    يُقَرْفِصُونَ ..
    ويَرْكَبُونَ على الشعوبِ
    ولا رِسَالَةْ ..
    لو أَنَّهُمْ حَمَلُوا إلَيْنَا ..
    من فلسطينَ الحزينةِ ..
    نَجْمَةً ..
    أو بُرْتُقَالَةْ ..
    لو أَنَّهُمْ حَمَلُوا إلَيْنَا ..
    من شواطئ غَزَّةٍ
    حَجَرَاً صغيراً
    أو محَاَرَةْ ..
    لو أَنَّهُمْ من رُبْعِ قَرْنٍ حَرَّروا ..
    زيتونةً ..
    أو أَرْجَعُوا لَيْمُونَةً
    ومَحوا عن التاريخ عَارَهْ
    لَشَكَرْتُ مَنْ قَتَلُوكِ .. يا بلقيسُ ..
    يا مَعْبُودَتي حتى الثُّمَالَةْ ..
    لكنَّهُمْ تَرَكُوا فلسطيناً
    ليغتالُوا غَزَالَةْ !!...

    ماذا يقولُ الشِّعْرُ ، يا بلقيسُ ..
    في هذا الزَمَانِ ؟
    ماذا يقولُ الشِّعْرُ ؟
    في العَصْرِ الشُّعُوبيِّ ..
    المَجُوسيِّ ..
    الجَبَان
    والعالمُ العربيُّ
    مَسْحُوقٌ .. ومَقْمُوعٌ ..
    ومَقْطُوعُ اللسانِ ..
    نحنُ الجريمةُ في تَفَوُّقِها
    فما ( العِقْدُ الفريدُ ) وما ( الأَغَاني ) ؟؟
    أَخَذُوكِ أيَّتُهَا الحبيبةُ من يَدي ..
    أخَذُوا القصيدةَ من فَمِي ..
    أخَذُوا الكتابةَ .. والقراءةَ ..
    والطُّفُولَةَ .. والأماني

    بلقيسُ .. يا بلقيسُ ..
    يا دَمْعَاً يُنَقِّطُ فوق أهداب الكَمَانِ ..
    عَلَّمْتُ مَنْ قتلوكِ أسرارَ الهوى
    لكنَّهُمْ .. قبلَ انتهاءِ الشَّوْطِ
    قد قَتَلُوا حِصَاني
    بلقيسُ :
    أسألكِ السماحَ ، فربَّما
    كانَتْ حياتُكِ فِدْيَةً لحياتي ..
    إنّي لأعرفُ جَيّداً ..
    أنَّ الذين تورَّطُوا في القَتْلِ ، كانَ مُرَادُهُمْ
    أنْ يقتُلُوا كَلِمَاتي !!!
    نامي بحفْظِ اللهِ .. أيَّتُها الجميلَةْ
    فالشِّعْرُ بَعْدَكِ مُسْتَحِيلٌ ..
    والأُنُوثَةُ مُسْتَحِيلَةْ
    سَتَظَلُّ أجيالٌ من الأطفالِ ..
    تسألُ عن ضفائركِ الطويلَةْ ..
    وتظلُّ أجيالٌ من العُشَّاقِ
    تقرأُ عنكِ أيَّتُها المعلِّمَةُ الأصيلَةْ ...
    وسيعرفُ الأعرابُ يوماً ..
    أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرسُولَةْ ..
    قَتَلُوا الرسُولَةْ ..
    ق .. ت .. ل ..و .. ا
    ال .. ر .. س .. و .. ل .. ة
    ***



    نزار قباني – بيروت في 15/12/1981


    _________________



      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 17 نوفمبر 2018, 07:00